الكتابة كانت وستظل دائمًا شكلًا للمقاومة، مقاومة طويلة المدى، كما نقول: تموت الأبدان لا الأفكار؛ تخلق لنا الأفكار أرواحًا جديدة تستقبلها أبدان جديدة وأشخاص جدد، ومن ثم نخلق مزيدًا من الأفكار، هكذا يعيش المرء بعد وفاته. وهكذا سيعيش إذا ما دفنوه حيًا. كما حالنا.
رغم إلحاحي الدائم على نفسي بأن لا أكتب سوى بالعربية، وخاصة فيما يبغضه المجتمع العربي بحجج مختلفة، كالشرف والعادات والتقاليد ونظرات المجتمع وغيره من قصص ألف ليلة وليلة، إلا أنني أجد نفسي رغمًا عني بين يدي لغة أجنبية، أجاهد بكلمات ليست لغتي الأم؛ كي أنسج منها ما قد يؤنس وحدتي و يذكرني بأنني حي.
هكذا نكتب قصصَ خيالية، لأشخاص نرى جزءًا من حياتنا وأنفسنا فيهم. تؤنسنا الفكرة، وحتى أنها تمنحك شعورًا بالنشوة وأنت تسرد معاناتك على لسانٍ آخر لشخص آخر، ويا للأسف، بلغة أخرى.
كنت قد رأيت في الآونة الأخيرة عدة منشوراتٍ ومقالاتٍ للكوير العرب، يعبرون أخيرًا عن وجودهم، ويحضرني قول أحدهم:
"في الدول القمعية، حينما تصبح المثلية أمرًا غير قانوني على سبيل المثال، يخيل إلى عامة الشعب أنه من المستحيل أن يكون هنالك مثلي، لذا؛ يظن الأجنبي أنك تحاول جاهدًا أن تخفي هويتك، بينما في الحقيقة لا يدرك أحد ممّن حولك أن هذا خيار مطروح أصلًا. أن تكون مثليًا، أو غير مغايرٍ أو حتى لا إنجابيًا— ذلك ليس ممكنًا. لن نقلق لحدوث ما هو مستحيل."
وهكذا أجد نفسي أصارع نفسي، أن أكون أنا.
أنا موجود.
الكلمة، وأعني بذلك حرفها، هي ما تدل عابر السبيل والضائع أنني موجود. أنا ممكن، ولست أمرًا خارقًا للطبيعة، رغم أنني غير مرئيّ. أو على الأقل لمن حولي.
هل تعلم الإحصائيات أن هنالك غير مغايرين عرب، كويرز، وعابرين، ولا دينيين، ومسلمين من مجتمع الميم، ومترجمين، وأطباء وكتّاب، ومعلمين، ورسامين وغيرهم؟
لطالما تساءلت بهذا الشأن. تخنقني الفكرة، أن لا نكون شيئًا. لسنا حتى أرقامًا.
كانت وسيلتي الأولى لأتخلص من هذا الطوق الخانق أن أسجل اسمي في بيان إحصائية الكويرز العرب قبل عدة سنوات. رأيت توقيعي هناك في إحدى المنصات، لكنني شعرت بالعبرة تخنقني على عكس ما توقعت؛ فقد خلتُ أن ينتابني شيء من الإحساس بالراحة لأنني موجود.
أدركت أنه وبعد سنوات من الإلحاح والخوف والكدر، أصبحت -لندق الطبول ونقيم الأفراح- مجرد رقم.
رقم بالإنجليزية، كما كُتِبت كل الإحصائية.
تجتاحني الآن نوبة من الغضب إثر استحضار تلك الذكرى. يقولون أن وجودنا ليس جريمة. لا يجدر أن نبغض أحدًا أو نكرهه لمجرد أنه وُلد باختلاف ما، أو لأنه ولِد بشكلٍ عام.
لكننا لا ندرك حقيقةً أساسَ هذا الغضب. لا يرى المجتمع أننا ولدنا أصلًا، يعتبر هذا الوجود هو مجرد استنساخ عن فكرة غربية، عادة شيطانية، أو أفكار ملتوية ليس إلا. لا يمكنك حتى أن تُوجد. لستَ ممكنًا.
هذا حينما أدركت أن الإلحاح هو ما يجعلنا حقيقة، الإصرار على أن نكون جزءًا حاضرًا نابضًا ولو متخفيين، ولو كنا مجرد اسمٍ مستعار. لكنك حقيقي وعربي. تعيش في الوطن نفسه، وتحتضن الثقافة واللغة نفسها.
ولهذا أكتب، رغمًا عني بلغتي الأم.
لربما أكتب لنفسي ذات الرابعة عشر عامًا، تتيه في عالم إلكتروني لا تفهم تلك اللغة الأجنبية، لكن نفسي تأبى أن تقف وتستسلم بعدما وجدت ما يشبهها، وتقرر حينها أن علينا أن نترجم ذاتنا بأكملها إلى تلك اللغة لنصبح صوتًا حقيقيًا.
كما لو أنني لاجئ إلى لغة أخرى و ثقافة أخرى لأصنع من غيمة أفكاري صورة إنسان هو أنا.
أنا موجود أخيرًا، لكنني مُتَرجَم، منَقّه، وربما ضبابيّ.
حينما قرر الأجنبي باختلاف لغته أن يعلن عن وجوده حقيقةً، أعلن ذلك بلغته ولسانه عبر ثقافته، هذه هي المقاومة.
ورغم أن الثمن باهظ وقاتل، إلا أنه احتمال وارد على خلاف الصمت الذي لا يحمل في طياته أي احتمالات، وهو بالفعل قاتل.
هكذا صنع الأجنبي لنفسه ملجأً من ثقافته وحضارته لنفسه، ثم استقبل بين ذراعيه لاجئًا مترجَمًا قد تخلى عن قشرته وصورته وكذا ثقافته ليصبح رقمًا.
ورغم أن هذا اللجوء وتلك الهجرة لا يلام المرأ عليها إلا أنها تمحونا من أعين المجتمع، تجعلنا صورة مكررة أو مسخًا، أو بالأحرى منسلخًا عن هويته.
ويبقى بعد ذلك الشعور، بأنه مهما تقبلك الأجنبيّ بصدرٍ رحبٍ لتنضمّ إلى صفوفِ ثقافةٍ لم تترعرع بين أكنافها، فإنك ستشعر -ولا بدَّ- بأنك لستَ في مكانك.
تجلس معهم على العشاء، فـيتحدثون بلغتهم الأم عن ذلك اليوم الذي أعلنوا فيهِ هويتهم بالكثير من الفخر، والقليل من التردد. يخبرونك كيف أنَّ المجتمع قد باتَ يحتضنهم بعدَ سنواتٍ من المقاومة، بعد أن كثر أشباههم فيه، متحدين يساندون بعضهم البعض. فيتبادر إلى ذهنك كونك غير مرئيّ في مجتمعك. وتتبادر إلى ذهنك الأرقام المجردةُ في تلك الإحصائية.
وكم تتمنى لو أن لك أشباه في كنف ثقافتك. أناس حقيقيين ليسوا مجرد أرقام.
تكسر الصمتَ لتشارك في المحادثة، فتقول: كنتُ مسخًا، ولكنني الآن شبح ثقافة لا تعرفني. أتلهف لمن يشبهني، ولكن جميعهم ليسوا أنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق