"الفُلك الأسود"
قصة قصيرةٌ نشرتها "بريست" عام 2013، وتُعدّ من أعمالها الأقل شهرةً.
———
هذه نهاية الخريف وبدايةُ الشتاء.
حين غابت آخر لمحاتٍ للغسق من الأفق، وقف "البهيموث"¹ ذو الذيل الطويل والبطن المستديرةِ على قوس السفينة كعادته، ثم زمجر معلنًا قدومَ الليل. ذاك الأحمق الساذج لطالما اعتبر نفسه الدجاجة معلنةً بزوغ الفجر.
على أيِّ، فإن الدواجن التي يربيها البشر لا تقارن بـكلاب الصيد الوحشية التي تحرس الجحيم. فـلو أن للدواجن نفس سعة الصدر لتتنفس بقدر ما تتنفس كلاب الصيد، فمن المحتمل ألا يتم نتف ريشها وقليها وتقديمها على موائد الطعام.
السيد "زومبي" طريح الفراش، تذمر داخله باستياءٍ بينما يدفن وجهه في كومةٍ من العظام، محاولًا مقاومةَ ضجيج المنبه الذي كادَ يكون أشبه بدويِّ الكوارث الطبيعية.
ولكن هذه ليست إلا البداية؛ حيث سرعان ما تصاعدت الفوضى الجنونيةُ على الفُلك، لتخرج عن السيطرة.
في البداية، صاحت جحافل العفاريت بينما تركض بخطواتٍ صغيرة، كـجائحة جرادٍ سُلطَ على المحاصيل. اعتمروا قبعاتٍ من الريش على رؤوسهم، يمسك كلٌّ منهم بشوكةٍ معدنية. يكشف نصفهم العلوي عن أجسادٍ خضراء عارية، بينما يرتدون ملابس كالهنود الأصليين.
قال السيد "زومبي" واضعًا عظم فخذٍ على رقبته: "أقزام العفاريت الحمقى."
ثم طفا الشيطان ذو العباءة السوداء أيضًا، كاشفًا عن جمجمته الصلعاء بينما يرفع قلنسوة ردائه. وبصعوبة بالغة، وضع نظاراتٍ ذات إطارٍ ذهبي على وجهه؛ بسبب غياب أنفه وأذنيه. الرب وحده من يعلم ما حاجته إليها وهو حتى لا يمتلك عينين.
طفا الشيطان المتخفي في الهواء، كراهبٍ يكتسي السواد، وتحدث بسلاسته المعتادة: "لي أن أحقق كل أمنياتك، أيها الفاني، طالما سترهن روحك لي."
رد السيد "زومبي" ببرود: "ليس لي روح، أيها الحشرة الغبية!"
هز الشيطان كتفيه ثم ردّ: "كما ليس لديك حس دعابةٍ يا عزيزي."
وأتبع ذلك ظهور أقزامِ ما تحت الأرض، يرتدون ملابس طلاب المدرسة الابتدائية، ويحملون فوانيس اليقطين، ومن بعدهم سحرة ترتدين ملابس عاملات التنظيف زاهية الألوان، وتبعهم القناطير، يرتدون آذانًا مدببةً ليتظاهروا بكونهم حميرًا… آهٍ، وقد كان ما هو أرعب من هذا؛ فهناك العمالقة الذين يرتدون البيكيني، ويتزينون بأحمر الشفاه كذلك، فارغين أفواههم الدامية بجنون!
سحبت "ميدوسا"² ذات ذيل الأفعى، السيدَ "زومبي" المسكينَ من بين كومة عظامه بقوةٍ ساحقة، لتسأله بينما تغمز برموشها التي تشبه أهداب المروحة: "عزيزي، أتظن أن عليّ ارتداء زي طالبةٍ نقيةٍ بريئة، أم ممرضة مثيرة؟"
السيد "زومبي": "يمكنك ارتداء زي أفعى سقطت في زجاجة عطر."
"لا تكن متجهمًا هكذا؛ فـ'الهالوين' لا يأتي إلا مرةً كل عام. هذا هو رأس سنتنا الجديدة." احتكّ ذيل "ميدوسا" مع العظام في المقصورة مُـحدثًا صوتَ حفيفٍ خافت. "يوشك الفُلك على أن يبحر إلى عالم البشر."
"بالطبع." ظهرت على وجه السيد "زومبي" ابتسامته الصفراء المعتادة، واستعدّ لإلقاء خطابٍ لئيمٍ مطول، ولكن "ميدوسا" النبيهة قاطعته في اللحظة المناسبة.
"اوه، انظر من أتى! ها هو ذا فارسنا الوسيم!"
تسلح الفارس بدرعه وحمل سيفًا كبيرًا، ممتطيًا شبح حصان الحرب. كان لا يزال في هيئته الوقورة المهيبة كما لو أنه ملك الفُلك الأسود، رغم حفلة تنكر "الهالوين" السخيفة.
ورغم أنه كان مقطوع الرأس.
بدا لـ"ميدوسا" الساخرةِ أن السيد "زومبي" تصلَّب -أكثر من العادة- فجأةً.
"أعتقد أنه لا يجدر بي مقاطعة حبيبين في عالمهما أثناء المهرجان." غادرت "ميدوسا" بينما يتمايل ذيلها مصدرًا صوت الحفيف.
"هل تريد أن نتجول في الأرجاء معًا؟" مشى الفارس مقطوع الرأس نحو السيد "زومبي"، ثم انحنى أمامه ومد إليهِ يدًا شاحبة.
"قطعًا لا." رفض السيد "زومبي" بتعنت.
ولكن الفارس مقطوع الرأس جذبه من خصره بسهولةٍ في اللحظة التالية، وحمله كما لو أنه قطعةٌ من الورق، ليضع "الزومبي" النحيل على ظهر حصانه.
رفع الحصان الشبح حافره ونفث نيرانًا مشتعلة، ثم شق طريقه عبر الظلام اللامتناهي وانطلق كريحٍ تجري.
بدت المجراتُ في السماء كبحر من النجوم، وبدا عالم البشر الصاخب ساطعًا كضوء النهار. اندفع الفُلك يشق السماء ومنها دخولًا إلى عالم البشر في زيارته السنوية المعتادة.
رفعت الريح العاتية رداء السيد "زومبي" المتعفن. وحين نظر للأسفل من مكانه في الهواءِ العالِ، لاحظ أن رفاقه الذين لا حصر لهم قد اختلطوا الآن مع بني البشر، لا يبدون غريبين وسط الحشد المكتسي جميعه بأزياء غريبة، وقد اصطفوا جميعًا ليخيفوا المارّة معًا.
ملأت رائحة فطائر اليقطين المكان، وصدحت صيحات الأطفال عاليًا.
انحنى السيد زومبي في عناقٍ بارد، ثم تحدث فجأةً ببعضٍ من الحنينِ إلى الماضي: "أنا كذلك كنتُ إنسانًا قبل ألف عام."
"قبل ألفٍ وستةٍ وثلاثين عامًا." صدر صوت الفارس مقطوع الرأس من وسط الدرع المعدني، وبصدىً خفيفٍ أتبع: "أنا وأنت من العام نفسه."
انفجرت ألعاب البشر الناريةُ في السماء.
"لمَ لا تتمنيان أمنية؟" عبرت الأشباح ألوانها الزاهية.
سمع السيد "زومبي" الفارسَ مقطوع الرأس يهمس في أذنه: "أمنيتي أن تحبني إلى الأبد."
جلس السيد "زومبي" على الظهر الواسع والبارد للحصان الشبح، وقال في ذهول وسط بحر الاحتفالات: "ولكني لا أملك روحًا."
بدا الأمر كما لو أن قبضة الذراع الفولاذية التي أحاطته قد اشتدت قليلًا، ولكن الفارس مقطوع الرأس لم يمانع ما قاله؛ ظل يحافظ على هدوئه لوهلةٍ فحسب قبل أن يسأل: "ماذا عنك؟"
"أتمنى…" أدار السيد "زومبي" رأسه للوراء، ونظر إلى كتفَي الفارس المدرع الأنيقتين، وإلى الخوذةِ الفارغةِ التي كان يفترض بها أن تخفي الشعرَ الأشقر المُبهر الذي في ذاكرته، والابتسامة الأكثر إشراقةً من شعره.
"أتمنى أن تستطيع الابتسام لي مجددًا."
في ليلة المعجزات هذه، هل من مكانٍ يسع بسمةً دون رأس، وحبًا دون روح؟
وخلع فارسه الخوذة الفارغة ببطء، وأخرج رأسًا يقطينية كبيرة من العدم، واضعًا إياها على كتفيه. حُفرت على اليقطينة تعابير مبتسمة سخيفة، ورغم أنها لم تبدُ مبهرة، إلا أنها على الأقل قد كانت ذهبية (كشعره).
"تحققت أمنيتك." قال الفارس مقطوع الرأس الذي دمّر هيبته بنفسه. "فماذا عن أمنيتي؟"
لذا؛ استقرت قبلةٌ باردةٌ من السيد "زومبي" على رأس اليقطينة المضحك.
صدر صوت صياح الطيور من خلفهم فجأةً، وحلّق طائر عنقاء عملاق مارًا بهما بينما يرفرف بجناحيه. وحين فتح منقاره، نفخ نيرانًا مشتعلةً كوهج الشمس.
"يا إلهي! إنها ألعاب نارية!" قال بشريٌّ أحمق كقرويٍّ جاهل.
"كلا، إنه الخلود."
ردد الفُلك المخفيّ في أعماق الليلِ صدى أصوات السماوات.
———
¹ "البهيموث": وحشٌ أسطوريٌّ ذُكِر في الإنجيل.
² "ميدوسا": شخصية من الأساطير الإغريقية، تمثّل غالبًا كامرأةٍ ذاتِ ثعابين على رأسها بدل الشعر.